السيد كمال الحيدري
279
أصول التفسير والتأويل
إلى أن قال عليهالسلام : لا يدرك مخلوق شيئاً إلّا بالله ، ولا تدرك معرفة الله إلّا بالله ، والله خِلو من خلقه ، وخلقه خلو منه » « 1 » . الرواية تثبت معرفة الله لكلّ مخلوق يدرك شيئاً ما من الأشياء ، وتثبت أنّ هذه المعرفة غير المعرفة الفكرية التي تحصل عن طريق الأدلّة والآيات ، وأنّ القصر على المعرفة الاستدلالية لا يخلو عن جهل بالله وشرك خفىّ . بيان ذلك : إنّ المعرفة المتعلّقة بشئ إنّما هي إدراكه ، فما وقع في ظرف الإدراك فهو الذي تتعلّق به المعرفة حقيقة لا غيره ، فلو فرضنا أنّا عرفنا شيئاً من الأشياء بشئ آخر هو واسطة في معرفته ، فالذي تعلّق به إدراكنا هو الوسط دون الشئ الذي هو ذي الوسط ، فلو كانت المعرفة بالوسط مع ذلك معرفة بذى الوسط وهو الشئ المجهول كان لازمه أن يكون ذلك الوسط بوجه هو ذا الوسط ، حتّى تكون المعرفة بأحدهما بعينها معرفة بالآخر ، فهو هو بوجه وليس هو بوجه ، فيكون واسطة رابطة بين الشيئين . فزيد الخارجي الذي نتصوّره في ذهننا هو زيد بعينه ، ولو كان غيره لم نكن تصوّرناه بل تصوّرنا غيره ، وعادت عند ذلك علومنا جهالات . وحيث لا واسطة بين الخالق والمخلوق ليكون رابطة بينهما ، فلا تمكن معرفته سبحانه بشئ آخر غير نفسه . فلو عرف بشئ كان ذلك الشئ هو نفسه بعينه ، وإن لم يُعرف بنفسه لم يُعرف بشئ آخر أبداً . فدعوى أنّه تعالى معروف بشئ من الأشياء كتصوّر أو تصديق أو آية خارجية ، شرك خفىّ لأنّه إثبات واسطة بين الخالق والمخلوق يكون غيرهما جميعاً ، وما هذا وصفه غير محتاج إلى الخالق تعالى فهو مثله وشريكه ، فالله سبحانه لو
--> ( 1 ) التوحيد ، للشيخ الجليل الصدوق ، مصدر سابق : ص 138 ، باب صفات الذات وصفات الأفعال ، الحديث : 7 .